مصياف العمرانية


بسم الله الرحمن الرحيم
عزيزي الزائر : تفضل بتسجيل دخولك إلى المنتدى
وإذا لم تكن عضواً ندعوك للإنضمام إلى أسرة منتديات مصياف العمرانية
I love you فأهلاً بك I love you

منتدى للتعريف بأهم معالم مدينة مصياف التاريخية والثقافية والإجتماعية والدينية

المواضيع الأخيرة

» طلب معلومات عن حجج الله
الإثنين أكتوبر 23, 2017 10:42 pm من طرف أبابيل

» التلاعب بالترددات
الخميس أبريل 27, 2017 8:22 pm من طرف العتيق

» عرفوني على مذهبكم لعلي أكون منكم ومعكم
الإثنين مارس 20, 2017 2:48 pm من طرف zain.abdalkader

» المكتبة الإسماعيلية
الجمعة أغسطس 26, 2016 1:09 am من طرف مؤمنة بالحق

» " هل أنا من شيعتهم...؟!! "
الجمعة أغسطس 26, 2016 1:05 am من طرف مؤمنة بالحق

» قصيدة ( قالت وقلت ) للصاحب بن عباد في مدح مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام
الجمعة أغسطس 26, 2016 1:02 am من طرف مؤمنة بالحق

» قصة بهلول مع الإمام علي زين العابدين عليه السلام
الخميس يوليو 10, 2014 8:56 am من طرف حسين بن علي

» قصة الامام علي عليه السلام مع الاسد
الخميس يوليو 10, 2014 8:49 am من طرف حسين بن علي

» مواعيد ولادة الأهلة لعام 1435 للهجرة ومعرفة بداية الأشهر القمرية
الأحد يونيو 08, 2014 11:26 am من طرف الرفني

» خمسة آثار سلبية على دماغك بسبب مشاهدة الأفلام الإباحية
الأحد يونيو 08, 2014 11:01 am من طرف الرفني

» بعض الإسفسارات عن الطائفة الكريمة الإسماعيلية النزارية المؤمنية
الأربعاء مارس 26, 2014 2:09 am من طرف على غيري

» الداعي سليمان بن حيدر وشجرة الأئمة الإسماعيلية النزارية المؤمنية
الجمعة يناير 24, 2014 1:50 am من طرف jaffmy

يمنع النسخ هنا

مكتبة الصور



    الكون (مابين أرسطو وابن عربي والعلم الحديث )

    شاطر
    avatar
    أخوان الصفا

    رقم العضوية : 30
    الجنس : ذكر
    العمر : 43
    المساهمات : 424
    نقاط : 1053
    تاريخ التسجيل : 26/01/2010
    التقييم : 9
    العمل : تاجر

    default الكون (مابين أرسطو وابن عربي والعلم الحديث )

    مُساهمة من طرف أخوان الصفا في الخميس مايو 05, 2011 8:48 pm

    الكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون
    ما بين أرسطو وابن العربي والعلم الحديث
    تقديم:
    لقد حاز هاجس معرفة الكون على مساحة واسعة من الفكر في تاريخ البشرية، فلا تخلو حضارة إلا وفيها الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء والأدباء والشعراء الذين أمضوا جل حياتهم في التفكر في العالم وأصل التكوين. كما أن أصل العالم وتكوينه كان موضوعا أساسيا في جميع الأديان والكتب السماوية تلبية لحاجة الإنسان لإشباع فضوله في معرفة ما حوله. ولقد تنوعت وتدرجت رؤية الحضارات للعالم ما بين الخرافات الباطلة والنظريات التي تقارب الحقيقة بدرجات متفاوتة. وعلى الرغم من التطور الهائل في أجهزة الرصد وسبر الفضاء بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والمراصد الفائقة الدقة على الأرض وفي الفضاء والحاسبات السريعة، فلا تزال رؤيتنا للعالم جدُّ قاصرة، بل يمكن القول أيضا أنه رغم الكمّ الهائل من المعلومات والصور التي تصل من المراصد المختلفة والتي تحتاج لسنوات مديدة من أجل تحليلها وفك ألغازها ورموزها مع استخدام أسرع الحاسبات، إلا أن الصورة الكلية للعالم تزداد تعقيدا ويزداد جهلنا بالعالم بشكل أسرع من زيادة علمنا به.
    ولم يكن لدى القدماء الأجهزة والأدوات التي لدينا الآن، لكن ذلك لم يمنعهم من التحليق بأفكارهم وخيالهم وأرواحهم في رحاب العالم ورسم تصوراتهم حوله، حتى أن الكثير من التصورات القديمة للعالم ما زالت تنافس أحدث النظريات بل وتتفوق عليها في أحيان كثيرة. ولا يستغني علماء الفلك اليوم عن النظر في تصورات الشعراء وآراء الفلاسفة القدماء، خاصة عندما يتعلق الموضوع بالكلّيات والأمور الإجمالية، إذ لا يمكن إنكار التفوق الكبير للعلم الحديث في مجال تحليل التفاصيل الجزئية الدقيقة والتي لم تكن متاحة للقدماء.
    ولقد ظهر عبر التاريخ أشخاص في حضارات مختلفة كان لهم الأثر الكبير في تطور رؤيتنا الحالية للعالم. وكذلك تنوعت أساليب النظر في العالم ومحاولات فهمه؛ فهناك من آثر الرصد والحساب، وهناك من آثر التفكّر والتخيّل، وهناك من فضّل النصوص المقدسة التي كثيراً ما يداخلها التحريف والخرافات.
    ولا شكّ أن الصوفيين أمثال الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي وجلال الدين الرومي وغيرهم الكثير كان لهم رؤية خاصة متميزة وفريدة للعالم وأصله وبنيته، وذلك بناءً على تجربتهم الروحية في تحصيل المعرفة بالكشف والذوق؛ بخلاف الكثير من العلماء والفلاسفة الذين سلكوا طريق الفكر والمنطق. وعلى الرغم من تعرض الكثير من العلماء والمؤرخين للتجربة الصوفية حول رؤية العالم، إلا أن ذلك لم يتعدى الكتب والمقالات المتناثرة. والحقيقة أن معظم هؤلاء الصوفيين لم ينالوا حقهم من الدراسة والتحليل خاصة عندما يتعلق الأمر في رؤيتهم للعالم إذ كثيراً ما أسيء فهمهم ونسبت إليهم أقوال لم يقولوها، ولعل ذلك يعود لكون معظم الذين درسوا الصوفيين هم أدباء ومفكرون لم يخوضوا كثيراً في مجالات العلوم، في حين أن العلماء لهم أسلوبهم الخاص المعتمد على التجربة والمنطق الرياضي وهم على الأغلب لا يهتمون بطرق الصوفية أصلاً ولا يقتنعون بنتائجها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن صعوبة لغة أهل التصوف، التي نجمت بالأصل عن فرادة تجربتهم الروحية والتي هي تجربة ذوقية تختلف عن غيرها من التجارب الفكرية والعلمية، كانت سبباً أساسياً في عدم كشف الأسرار والمعارف التي توصلوا إليها، حيث يصعب كثيراً على من لم يسلك سلوكهم أن يدرك المعاني التي يرمون إليها في كتبهم.
    ولد الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي يوم الاثنين في السابع عشر من شهر رمضان سنة 560 للهجرة (1165 ميلادية) في مدينة مُرسِية شرقي الأندلس، ثمّ تنقل في الأندلس والمغرب العربي حتى سنة 598 ثم ارتحل إلى المشرق للحج ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وفي المشرق أقام في مصر مدة، وكذلك في الحجاز، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم فسكن فيها مدة وجيزة، ثم استقر في دمشق في سنة 620 إلى أن توفي فيها ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 638 للهجرة (1240ميلادية) ودفن بسفح جبل قاسيون، وتسمى الآن المنطقة المدفون فيها باسمه (حي الشيخ محي الدين) حيث يوجد قبره في طرف مسجد بناه السلطان سليم حين فتح دمشق سنة 922/1516. ترك الشيخ الأكبر العديد من الكتب والرسائل بلغت المئات، وأهمها على الإطلاق كتاب "الفتوحات المكية" والذي يعتبر موسوعة كاملة عن التصوف، وكذلك كتاب "فصوص الحكم" وهو آخر كتاب كتبه قبل وفاته، وقد نال هذا الكتاب الأخير الكثير من الاهتمام من قبل المسلمين وغير المسلمين، حيث له أكثر من مئتي شرح وقد ترجم إلى لغات عديدة.
    ولو أمعنّا النظر في كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي لوجدنا أن هناك كنوزاً ثمينةً مهملةً حيث كان له السبق في طرح أمورٍ وحقائق علمية كثيرة لم تُكتشف إلا بعده بقرون عديده، والكثير منها نسبت لغيره ممن أتوا بعده، كما أن الكثير منها أيضاً ما عرفت إلا في السنوات الأخيرة أي بعد وفاته بأكثر من سبعة قرون. ورغم كل هذا فما زالت رؤية الشيخ الأكبر للعالَم طيّ كتبه الكثيرة من غير أن تستوفي حقها من الدراسة والتحليل.
    وعلى الرغم من أن الشيخ الأكبر لم يكن عالم فلك أو أرصاد، ولم يخصص أي كتاب من كتبه الكثيرة لعلم الفلك، ولكن كتبه مليئة بالعبارات والإشارات التي توضح رؤيته الفريدة للعالم. وسوف نحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على الجوانب المختلفة من رؤية الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي للعالَم ونقارن ذلك ما أمكن بالرؤية القديمة متمثلة بأرسطو ومدرسته وكذلك بالرؤية الحديثة طبقا لآخر ما توصلت إليه الدراسات الحديثة. وسوف نجد أن رؤية الشيخ الأكبر للعالم جمعت بين أصالة الرؤية التقليدية التي كانت خلاصة عصارة الحضارات القديمة وبين مصداقية الرؤية الحديثة المدعومة بالأدلة الرصدية. كذلك سنجد كما أسلفنا أن الشيخ الأكبر سبق الكثير من العلماء من خلال طروحات تبين صحتها ودقتها في السنوات أو العقود الأخيرة فقط.

    سرد تاريخي مختصر:
    لقد عرفت أوربا في القرن الرابع عشر علم الفلك عن طريق العلماء والكتاب المسلمين الذين كتبوا العديد من الكتب وترجموا الكثير عن اللغات الأخرى القديمة، ولكن الكنيسة الكاثوليكية التي قررت اعتماد أنموذج أرسطو/بتوليمي (أن الأرض هي مركز العالم) اعتبرت أن كل من يخالف هذه الرؤية كافرا. من أجل ذلك قرر العالم البولندي نيكولاي كوبرنيكوس (1473-1544 م) تأخير نشر كتابه الشهير "De Revolutionibus Orbium Caelestrium" (دوران المدارات السماوية) حتى سنة قبل وفاته. لقد وضع كوبرنيكوس في هذا الكتاب أسس الأنموذج الجديد الذي يقول أن الشمس هي مركز العالم وليس الأرض. فقال كوبرنيكوس في هذا الكتاب أن الشمس والنجوم ثابتة في الفضاء وأن الكواكب هي التي تدور حولها بمدارات دائرية. بقي هذا الأنموذج مجرد فكرة حتى اخترع غاليليو في عام 1609 م التلسكوب حيث تم بعد ذلك التأكد من صحة أنموذج كوبرنيكوس وتم التخلص نهائيا من أنموذج بتولومي (70-147 م) وأرسطو (384-322 ق.م) الذي يقول بمركزية الأرض. ثم جاء كبلر في عام 1619 ووضع قوانين رياضية تصف حركة الأجرام السماوية بدقة، واستفاد نيوتن من هذه القوانين في عام 1687 م في كتابه الشهير "‘Philosophiae Naturalis Principia Mathematica’" (المبدأ الرياضي في الفلسفة الطبيعية) ووضع نظرية تدعم أنموذج كوبرنيكوس وتشرح كيفية حركة الأجرام في السماء.
    لقد كانت نظريات كوبرنيكوس ونيوتن جيدة وكافية لتفسير حركة الكواكب داخل المجموعة الشمسية، ولكنها فشلت تماما فيما وراء ذلك حيث اعتبرت أن النجوم ثابتة، كما فرض ذلك أرسطو نفسه. على الرغم من أن نظرية الجاذبية لنيوتن ينتج عنها مباشرة ضرورة حركة النجوم، إلا أن الاعتقاد الجازم بأفكار أرسطو أن النجوم ثابتة بقي عدة قرون بعد ذلك حتى جاء ادموند هالي في عام 1718 م وقارن مواقع النجوم بما كانت عليه منذ التسجيلات البابلية القديمة ووجد اختلافا واضحا. ثم جاء وليام هرشل في عام 1783 م ووجد أن الشمس نفسها تتحرك بالمقارنة مع النجوم التي خلفها. وتبين بعد ذلك أن النجوم مع الشمس والمجموعة الشمسية تنتظم بشكل قرص في الفضاء أطلق عليها اسم مجرة درب التبانة (أو الدرب الحليبي Milky Way). ثم جاء هبل في عام 1924 م فقاس المسافات بين النجوم وتبين أن الكثير مما يبدو لنا نجوما في الفضاء هو في الحقيقة مجرات كبيرة فيها ملايين النجوم ولكنها بعيدة جدا عنا لذلك نراها صغيرة مثل النجوم. وتبين من خلال الدراسات الدقيقة وتحليل الأطياف لضوء النجوم أن هذه النجوم تتحرك بشكل دائم وبسرعات فائقة ولكننا لا نرى ذلك بسبب بعدها السحيق عنا. ومن الجدير ذكره الآن أن ذلك هو تماما ما قاله بوضوح الشيخ الأكبر قبل اكتشافه بعدة قرون كما سنرى ذلك بعد قليل. كما يجدر أن نذكر هنا أن آينشتاين نفسه كان يعتقد مثل أرسطو أن النجوم ثابتة. وكما قال عالم الفلك الشهير ستيفن هوكنغ في كتابه "مختصر تاريخ الكون" أن آينشتاين اضطر خطأً أن يعدل نظريته كي ينتج عنها أن النجوم ثابتة فأضاف رقما في المعادلات الرياضية سمي بالثابت الكوني، ولما تبين أن النجوم متحركة اضطر أن يغير المعادلات من جديد. ولقد اعترف آينشتاين لاحقا أن فرض الثابت الكوني كان أكبر خطأ في حياته.
    بعد ذلك ومع الثورة العلمية الهائلة التي شهدتها العقود الأخيرة والتي كانت بالأصل موجهة للتفوق العسكري والحربي توضحت تفاصيل مثيرة ونظريات حول بنية الكون وأصله وتطوره وأنواع النجوم وكيفية تشكلها وتركيبها. ومع ذلك فلا يمكن القول أبداً أننا اقتربنا كثيرا من فهم العالم بل ظهرت هناك معضلات جديدة مع كل كشف وظهرت أيضا نظريات متناقضة.

    أنموذج أرسطو/بتولومي:
    لقد ورث الإغريقيون السجلات الفلكية عن البابليين (1500 ق.م) واعتمدوا عليها في بناء صورة متكاملة للعالم. لقد طور اريستارخوس (270 ق.م) أول أنموذج عن العالم وكان يعتبر أن الشمس هي مركز العالم (heliocentric)، ولكن الاعتقاد الراسخ بأن الأرض هي الأصل وهي بيت الآلهة جعلت الجميع يفضلون رؤية أرسطو أن الأرض هي مركز العالم (geocentric). ومما دعم هذه الرؤية "الخاطئة" أنه لم يستطع أحد ملاحظة الحركة الجانبية للنجوم في خلفية الشمس والتي لا بد منها إذا كانت الشمس هي المركز. لذلك لقي أنموذج مركزية الأرض الذي اقترحه أرسطو (384-322 ق.م) وطوره بتولومي (70-147 م) رواجا منقطع النظير واعتمد لاحقا بشكل رسمي من قبل الكنيسة الكاثوليكية.


    يعتبر هذا الأنموذج أن الأرض ثابتة والكواكب بما فيها الشمس والقمر تدور حولها بشكل دائري، وأن النجوم ثابتة في الفضاء. ولكي يتم تفسير الحركة الرجعية (retrograde motion)[1] لبعض الكواكب اقترح بتولومي أن هذه الكواكب تدور في مدارات صغيرة حول مدارها الأصلي. لقد كان هذا الاقتراح ناجحا ومقنعا بشكل جيد رغم أنه غير صحيح، وربما هذا هو السبب الذي جعل الجميع يقبلون هذا الأنموذج بسهولة لأكثر من 1400 سنة بعد بتولومي.

    أنموذج كوبرنيكوس:
    وجد كوبرنيكوس أن حركة الكواكب والأجرام السماوية يمكن تفسيرها بشكل مقبول إذا اعتبرنا أن الشمس هي مركز العالم وليس الأرض.

    ومع أن كلا وجهتي النظر، أن الشمس أو الأرض هي في المركز، متكافئتين من الناحية الرياضية وكلاهما تفسران الحركة المشهودة للكواكب، ولكن حسب أنموذج كوبرنيكوس فإن الحركة الرجعية للكواكب تفسر تلقائيا وذلك بسبب اختلاف سرعة دوران الكواكب عن سرعة دوران الأرض حول نفسها وبذلك تبدو بعض الكواكب وكأنها تسير بشكل رجعي في بعض الأوقات من السنة، في حين أن بتولومي اضطر لفرض حركة إضافية غير مبررة للكواكب حول نقطة وهمية على مدارها.
    وكما أسلفنا في الأعلى فقد انسحب أنموذج أرسطو/بتولومي شيئاً فشيئاً لصالح كوبرنيكوس وخاصة بعد اكتشاف التلسكوب وظهرو قوانين كبلر ونظريات نيوتن في الحركة والجاذبية.

    الرؤية الحديثة للعالم:
    بعد ظهور أنموذج كوبرنيكوس واكتشاف غاليليو للتلسكوب وقوانين كبلر ونيوتن للجاذبية تطور علم الفلك تطورا مذهلا خاصة منذ بداية القرن الماضي. وتعود رؤيتنا الحالية للعالم إلى عام 1924 م عندما وجد ادوين هبل أن مجرتنا ليست هي المجرة الوحيدة في الكون بل ما هي إلا واحدة من مليارات المجرات الأخرى وأن الكثير من النقاط المضيئة التي نراها في السماء إنما هي في الحقيقة مجرات وربما عناقيد من المجرات على أبعاد ساحقة في أعماق الفضاء. وبسبب قوة الجاذبية فإن كل الأجرام السماوية تتحرك بشكل مستمر وتدور حول بعضها البعض، كما قال الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"[2]. فالأرض تدور حول الشمس مع بقية الكواكب، والقمر يدور حولها، والشمس مع الكثير من النجوم تدور حول مركز المجرة، والمجرة تسبح في الفضاء الشاسع مع المليارات من المجرات الأخرى التي تتجمع في عناقيد.
    لكي نستطيع أن نستوعب المسافات الكونية الهائلة لا بد من استخدام وحدة قياس كبيرة غير المتر والكيلومتر المعتادين، وهي السنة الضوئية والتي هي عيارة عن المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة وهي تساوي 9500000000000000 مترا، أو 9500 مليار كيلومتر، أو حوالي 64 ألف ضغف المسافة من الشمس للأرض. إن الضوء الذي يسير (يطير!) بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية يمكنه أن يدور حول الأرض سبع مرات كل ثانية، في حين يحتاج 8,33 دقيقة للوصول إلينا من الشمس (150 مليون كيلومتر)، وأقرب نجم للشمس (Proxima Centauri) ويبعد عن الشمس 4,22 سنة ضوئية! فالشمس مثلها مثل معظم النجوم كتلة كبيرة ملتهبة من الغاز، وتشكل مجموعة من ملايين المليارات من النجوم مع بعضها المجرة التي تنتظم بشكل قرص اهليلجي على الأغلب وله أزرع تدور حول المركز. إن طول مجرتنا (درب التبانة) يبلغ حوالي مئة ألف سنة ضوئية، وسمكها حوالي 15 ألف سنة. ثم بعد ذلك تأتي مساحات هائلة من الفضاء الذي يبدو خاليا تقريبا، وبعدها نجد مجرات أخرى مثل المرأة المسلسلة (الأندروميدا) وهي أقرب مجرة لنا وتبعد عنا حوالي ثلاثة ملايين سنة ضوئية. وكذلك تتجمع المجرات في شكل عناقيد تختلف في الحجم من بضع مجرات إلى مئات منها، وتوجد بين العناقيد مسافات سحيقة خالية قد يزيد قطرها عن مئات الملايين من السنين. وتختلف المجرات بالشكل والحجم كما تختلف النجوم بالحجم والعمر، ففي كل وقت تتشكل نجوم جديدة وتنفجر نجوم أخرى، وتتشكل مجرات وتتصادم مع بعضها!

    صورة لمجرة المرأة المسلسلة (الأندروميدا m31)
    فيمكن القول أن الكون هو ملايين المجرات المتناثرة في الفضاء، ونحن على الكرة الأرضية مثل قطرة ماء في المحيط. يبلغ قطر الكون المعروف حاليا حوالي 15 مليار سنة ضوئية، وهذا هو بالتالي عمر الكون التقريبي، حيث تقول أغلب النظريات أن الكون بدأ من نقطة صغيرة ثم حدث انفجار عظيم (big bang) أدى إلى توسع الكون وهو ما زال يتمدد في جميع الجهات بسرعة تقارب سرعة الضوء حتى بلغ الآن حوالي 15 مليار سنة.
    ولقد تمكن العلماء من كشف تفاصيل مذهلة حول تشكل النجوم والمجرات وأنواعها وبنيتها؛ وذلك من خلال تحليل الأطياف للضوء القادم من النجوم بالإضافة لتحليل الأطياف للأشعة الأخرى مثل الأشعة الحمراء، واشعة إكس، وأشعة غاما، والموجات الراديوية.
    إن غالبية النجوم هي مثل الشمس كتلة كبيرة من الغاز الملتهب بسبب التفاعلات النووية التي تحول الهيدروجين إلى الهليوم ثم تنتج المواد الثقيلة. ولكن هناك نجوم من أنواع خاصة، فمثلا عندما تزيد كتلة النجم عن حد معين يمكن أن ينكمش على نفسه بسبب قوة الجاذبية فيشكل ما يسمى بالنجوم النيوترينية حيث تضمحل الذرات من حيث تركيبها الطبيعي وتتحول إلى نيوترونات، ثم يمكن لمثل هذه النجوم أن تنكمش أكثر فأكثر فتشكل الثقوب السوداء والتي هي عبارة عن تجمعات هائلة للمادة في حيز ضيق جدا مما يسبب كثافة كبيرة وجاذبية هائلة تمكن الثقب الأسود من ابتلاع كل شيء حوله ولا يسمح حتى لفوتونات الضوء التي هي عديمة الكتلة بالهروب منه، ولذلك لا يمكن أن يرى فيسمى ثقبا أسودا. كذلك يمكن لبعض النجوم أن تنفجر وتتناثر في الفضاء فتشكل ما يسمى بالسوبرنوفا، والعمالقة الحمر، والأقزام البيض. ومن جهة أخرى فهناك أنواع من المجرات من حيث الشكل والحجم، فمنها المجرات الإهليلجية، ومنها البيضوية ومنها المجرات العشوائية الشكل.

    رؤية ابن العربي للعالم:
    إن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي سلك طريقا فريدا في العلم اعتمادا على قوله تعالى: "وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏"[3]. وهذا الطريق هو طريق الصوفية والذي يتمثل بتصفية القلب من التعلقات الدنيوية حتى يصبح محلا مستقبلا للتجليات الإلهية فتفيض منه الحكمة والمعرفة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"[4]. وهذا ما فعله الشيخ الأكبر حيث دخل الخلوة مخلصا لله وهو في أول شبابه فخرج منها وهو يفيض علما وحكمة ومعرفة حتى شهد له بذلك الأعداء والأصدقاء. إن الشيخ الأكبر لم يدرس العلوم ولا اطلع على آراء الفلاسفة والمتكلمين، ولكنه –كما يقول هو- تلقى العلم بالإلهام الإلهي عن طريق الملائكة وأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
    إن الشيخ الأكبر ينظر للعالم على أنه مزيج من عوالم ثلاثة هي العالم المشهود الذي هو عالم الملك أو الشهادة وهو العالم المادي الذي نراه بأعيننا ونحسه بحواسنا، ثم هناك عالم الملكوت الذي هو عالم الأرواح، وهناك عالم الجبروت الذي هو الصفات والأسماء الإلهية التي تفعل في العالم وتتصرف فيه. ونحن نريد هنا أن نهتم بالعالم المشهود حتى يتثنى لنا مقارنة كلام الشيخ الأكبر بالعلوم الحديثة التي أثبتت بالنظريات والأدلة القاطعة، مع أنه في الأغلب يصعب الفصل بين هذه العوالم الثلاثة لأنها في تفاعل مستمر مع بعضها البعض. وسوف نبدأ بسرد الملامح العامة لرؤية الشيخ الأكبر للعالم ثم نسرد بعد ذلك بعض النقاط المهمة والتي لا شك تعتبر كشوفات مذهلة أثبتها العلم الحديث بعد قرون متطاولة ثم في كثير من الأحيان نسبت خطأً لغير الشيخ الأكبر ممن أتوا بعده.
    يرى الشيخ الأكبر أن سبب خلق العالم هو الحب الإلهي حيث أن الله سبحانه وتعالى أحب أن يُعرف فخلق الخلق حتى يهبهم السعادة من خلال معرفته. وهذا الحب من الله تعالى هو رحمة منه للخلق ليخرجهم من ظلمة العدم إلى نور الوجود، فكانت هذه الرحمة هي المكان المعنوي الذي سيظهر فيه الخلق حيث لا مكان بعد ولا زمان، ويدعى هذا المكان المعنوي بالعماء، وذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل: "أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟"، فقال: "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء"[5]. ثم قبلت حقيقة العماء صور الأرواح التي خلقها الله سبحانه وتعالى بلا واسطة لأنهم أول الخلق فلا يوجد خلق قبلهم، من أجل ذلك كان تعلقهم بالله وحده حيث لا يعرفون غيره ولا يعرفون حتى أنفسهم، فهم الملائكة الهائمين في جمال الله وجلاله ولا يعرفون غيره ولا يعرفون شيئا من الخلق الذي سيأتي بعد ذلك، وهم الذين استثناهم الله في قوله: " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ"[6]، والله أعلم.
    ثم أيّه الله سبحانه وتعالى واحدا من هؤلاء الصور الروحية بتجلٍّ خاص علمي انتقش فيه علم ما يكون إلى يوم القيامة، مما لا تعلمه الأرواح المهيمة، وسمي هذا الروح بالعقل الأول؛ حيث عقل عن الله تعالى ما سوف يخلق الله به، وكذلك يسمى القلم الأعلى؛ لأنه هو الذي يكتب كلمات الله تعالى التي لا تنفد والتي هي خلقه. وذلك قول الرسول محمد عليه الصلاة والسلام: "إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له اكتب فقال وما أكتب قال اكتب القدر فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة"[7]. وهذا الروح الذي هو العقل الأول هو حقيقة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وروحه، حيث أنه أرسله رحمة للعالمين، وكذلك هو حقيقة كل نبي. ولما تجلى الله تعالى للعقل الأول ظهر له من نور التجلي ظل وهو اللوح المحفوظ أو النفس الكلية فكانت بمثابة حواء لآدم عليه السلام حيث سيكتب القلم الأعلى في اللوح المحفوظ كلمات الله تعالى التي هي خلقه. فالقلم واللوح كالزوج والزوجة والكتابة هي كالنكاح والكلمات التي هي الخلق هي كالأولاد، فنحن من حيث ما نحن عقول ونفوس أولاد القلم الأعلى والنفس الكلية كما نحن أولاد آدم وحواء من حيث ما نحن أجساد.
    ولا يكتب القلم الأعلى في اللوح إلا ما يتجلى له به الله تعالى من حيث اسمه العليم، فهو يقرأ ما في علم الله ويكتبه إلى اللوح. فكان أول شيء رآه القلم في علم الغيب هو صورة العرش الذي استوى عليه الله من اسمه الرحمن[8]، فكان العرش بمثابة الابن وأبوه القلم الأعلى والنفس الكلية أمه. وخلق الله الكرسي في جوف العرش كحلقة ملقاة في فلاة، وخلق السموات ومافيهن في الكرسي كذلك كحلقة ملقاة في فلاة. وكان أول ما خلق الله في جوف الكرسي جسما شفافا مستديرا هو الفلك الأطلس، وسمي أطلسا لأنه ليس فيه علامات تعرف بها حدوده بل هو متجانس الأجزاء ولكنه قسم إلى اثني عشر قسما مقدرا هي البروج.

    رؤية الشيخ الأكبر للعالم الذي هو تحت فلك فلك البروج، مأخوذة مع بعض التصرف عن الفصل الواحد والسبعون وثلثمائة من الفتوحات المكية.
    فالعالم المادي الذي هو الكون المشهود هو هذا الفلك الأطلس وما حواه. فأول فلك تحت الفلك الأطلس هو فلك البروج، والبروج كما نعلم هي تجمعات من النجوم الظاهرة في السماء، ولا فرق بينها وبين النجوم التي هي ليس ببروج سوى تقسيما تقديريا لقبة السماء إلى اثني عشر قسما تقديرا من الله الحكيم العليم، غير أن ما نراه من النجوم في البروج هي في الحقيقة مجرات شديدة البعد عنا ولذلك نراها نقاطا مضيئة فقط. وبعد فلك البروج يأتي الفلك المكوكب، أي الذي فيه النجوم والكوكبات والتي هي عبارة عن تجمعات نجمية تقسم اصطلاحا أيضا إلى ثمانية وعشرين منزلة بحسب منازل القمر. وبين فلك البروج والفلك المكوكب فضاء شاسع خلق الله فيه الجنان بمراتبها المختلفة، وهي سبعة جنان ولكن كل جنة منها لها درجات كثيرة.
    أما السموات والأرض فهي داخل الفلك المكوكب، حيث هناك سبع سموات بما فيها الشمس والقمر ثم الكواكب الخمسة السيارة المشهودة في السماء، وهي الكواكب الخنس الجواري الكنس[9].
    ونكتفي بهذا السرد المقتضب جدا، وللمزيد يمكن مراجعة كتاب الفتوحات المكية وخاصة الباب الواحد والسبعين وثلاثمائة والذي خصصه الشيخ الأكبر لبنية العالم بالتفصيل، وكذلك الأبواب العشرة الأولى من الجزء الأول من الفتوحات المكية.
    وقبل أن نشير فيما يلي إلى بعض القضايا المحددة ونقارن بينها وبين العلم الحديث، نود أن نضع هنا بعض الملاحظات العامة:
    1- إن الشيخ الأكبر كثيرا ما لا يفرق بالاسم بين القمر والشمس والكواكب والنجوم، فيدعوها جميعا كواكب من حيث أنها تضيئ في السماء، ولكنه في الحقيقة يدرك الفرق بين الشمس والقمر من حيث أن الشمس مضيئة بذاتها في حين أن القمر يكتسب نوره من الشمس.[10] كما أشار الشيخ الأكبر في عدة مواضع إلى أن النجوم هي مثل الشمس تضيئ بذاتها.[11] وهذه الحقيقة لم تعرف إلا منذ عدة عقود.
    2- في كثير من الأحيان تبدو رؤية الشيخ الأكبر مماثلة لرؤية أرسطو الذي يعتبر الأرض مركز العالم، ولكن الشيخ يبين في مواضع كثيرة أن هذه هي الرؤية الظاهرية، في حين أن الأمر في الواقع يختلف، وأن الشمس هي في وسط السموات وليس الأرض.[12]
    3- سواء بالنسبة للبروج الإثني عشر أو بالنسبة للمنازل الثمانية والعشرين، فإن الشيخ يصرح أنها عبارة عن اصطلاحات ومواضع اعتبارية يتم تقسيم القبة الفلكية على أساسها، وليس هناك أي فرق بين النجوم التي هي بروج أو منازل وتلك التي هي ليست بروج أو منازل.[13] وقد تبين حديثا أن هذه النجوم لا ترتبط ببعضها البعض، ولا علاقة لتوزعها الفراغي بأي شكل يمكن أن ترمز له، وهي في الحقيقة مترامية في أبعاد فراغية مختلفة كثيرا عن التوزع الظاهري الذي نراه في مستوي الرؤية من الأرض.
    4- لا يمكننا في الحقيقة فصل عالم الروح عن العالم المادي، من أجل ذلك كثيرا ما يخلط الشيخ الأكبر بين الاعتبارات المادية والاعتبارات الروحية في وصفه للعالم. فمثلا يعتبر الشيخ أن للسموات عمد هو الإنسان الكامل والذي هو بالنسبة للعالم بمثابة الروح للجسد. كذلك يرجع الشيخ عناصر الطبيعة الأربعة، وهي التراب والماء والهواء والنار، إلى الأسماء الإلهية اللازمة وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، ويربط بين هذه العناصر وبين البروج وكذلك بينها وبين أسماء بعض الأنبياء والملائكة. ونحن هنا إنما نريد التركيز على العالم المادي ولذلك سوف لن نعلق على هذه الاعتبارات المعنوية.

    1- الأرض ليست ثابتة:
    يصرح الشيخ الأكبر في عدة مواضع في الفتوحات المكية أن الأرض ليست ثابتة وذلك بعكس ما كان مقبولا لقرون كثيرة بعده، فيقول مثلا: "ولما خلق الله هذه الأفلاك والسموات وأوحى في كل سماء أمرها ورتب فيها أنوارها وسرجها وعمرها بملائكته وحركها تعالى فتحركت طائعة لله آتية إليه طلبا للكمال في العبودية التي تليق بها لأنه تعالى دعاها ودعا الأرض فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها لأمر حُدّ لهما قالتا أتينا طائعين[14] فهما آتيتان أبداً فلا تزالان متحركتين غير أن حركة الأرض خفية عندنا وحركتها حول الوسط لأنها أكر"[15]، ثم يوضح الشيخ الأكبر في موضع آخر سبب عدم شعورنا بحركة الأرض والعالم من حولنا فيقول: "وإنما الناس وأكثر الخلق لا يشعرون بحركة العالم ولأنه بكله متحرك فيبقى الترتيب المشهود من البعد والقرب على حاله فلهذا الشهود يتخيلون سكون الأرض حول المركز"[16]. فهذا تصريح واضح بكروية الأرض، مع أن ذلك كان معروفا مسبقا، وبأنها تدور حول المركز، الأمر الذي لم يعرف إلا بعد قرون.

    2- الشمس هي في مركز السموات السبع:
    يعتبر الشيخ الأكبر السموات السبع المذكورة في القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية وغيرها أنها مدارات الكواكب السيارة بما فيها الشمس والقمر، ويتم ترتيب هذه السموات انطلاقا من بعدها عن الأرض، فالسماء الدنيا هي سماء القمر، ثم سماء عطارد، ثم سماء الزهرة، ثم سماء الشمس، ثم سماء المريخ، ثم سماء المشتري، ثم سماء زحل، وهذا هو الترتيب الحقيقي في الواقع رغم اكتشاف كواكب أخرى مثل نبتون وأورانوس وبلوتو.
    لكن الشيخ الأكبر يصف سماء الشمس بأنها السماء الوسطى وأنها قلب السموات كلها وأن الشمس هي المسؤولة عن إضاءة الكواكب. كذلك يقول الشيخ الأكبر عن قوله تعالى عن سيدنا إدريس عليه السلام: "وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً"[17]، أن هذا المكان هو فلك الشمس وهو السماء الوسطى وأن الله وصفه بأنه "عليّا" وليس "عاليا" لأن علوه هو علو مكانة وليس علو مكان، ويضيف الشيخ الأكبر أن علو مكانة فلك الشمس هو من كونه في قلب الأفلاك رغم وجود أفلاك أعلى منه وأفلاك أدنى منه (بالنسبة للأرض)[18].
    وفي الحقيقة فإن الشيخ الأكبر يتكلم عن العالم من وجهتين؛ الأولى بحسب الظاهر وهي تنطلق من الأرض التي تبدو في مركز العالم وأن كل شيء يدور حولها، وهذه هي الرئية القديمة للعالم، وأما الثانية فهي أن الشمس هي في قلب السموات وهي التي تمد الكواكب بالضوء والحياة، وهذه هي الرؤية الحديثة.

    3- الحركة الرجعية للكواكب:
    كما أسلفنا في الأعلى فإن قدرة أنموذج ارسطو/بتولومي على تفسير الحركة الرجعية (retrograde motion) لبعض الكواكب جعلت العلماء والفلاسفة يقبلون هذا الأنموذج لأكثر من 1400 سنة مع أن التفسير كان في الحقيقة خاطئا والأنموذج لا يقارب الواقع. ويعتقد العلماء اليوم أن التفسير الصحيح للحركة الرجعية إنما جاء بعد التقدم الذي شهدته أجهزة الرصد والقياس، أي منذ بداية القرن الثامن عشر.
    ولكن الشيخ الأكبر سرد نفس التفسير المسلم به حاليا منذ أكثر من سبعة قرون، وذلك عبر تأكيده نسبية الحركة حيث يقول: "وخلق الله في هذه السماء كوكباً وأوحى فيها أمرها وأسكنها إبراهيم الخليل وجعل لهذا الكوكب حركة في فلكه على قدر معلوم ومن أعجب المسائل مسألة هذه الحركات فإنها من خفي العلم فإنه يعطي أنه لا يستحيل مؤثر فيه بين مؤثرين لأن مثل هذه الحركة لهذا الكوكب يكون عن حكمين مختلفين حكم قسري وحكم إرادي أو طبيعي وذلك له مثال ظاهر وهو أنه إذا كان حيوان على جسم قاصداً جهة بحركته من هذا على الجسم وتحرك الجسم إلى غير تلك الجهة فتحرك الحيوان إلى جهة حركة هذا الجسم مع حركته إلى النقيض فيجمع بين حركتين متقابلتين معاً في زمان واحد فهو يقطع في ذلك الجسم الذي هو عليه والجسم يقطع به في جسم آخر فيقطع الحيوان فيه بحكم التبعية كنملة على ثوب مطروح في الأرض تمشي فيه مشرقة ويجذب جاذب ذلك الثوب إلى جهة الغرب فتكون متحركة إلى جهة الشرق في الآن الذي تتحرك فيه بتحرك الثوب إلى جهة الغرب فهي حركة قهرية لها غالبة عليها وهاتان حركتان متقابلتان في آن واحد فإنظر هل لاجتماع الضدين وجوه في هذه المسألة أم لا فإن الكواكب تقطع في الفلك في رأي العين من الغرب إلى الشرق والفلك الأكبر المحيط يقطع بها من الشرق إلى الغرب فالكوكب متحرك من الشرق إلى الغرب في الآن الذي هو فيه متحرك من الغرب إلى الشرق ففلكه الذي تحدثه حركته شرقاً عين فلكه الذي تحدثه حركته غرب"[19].
    فهذا هو بالفعل السبب الحقيقي وراء الحركة الرجعية حيث أن حركة الفلك المحيط الناتجة عن حركة الأرض تغلب على حركة الكوكب الفعلية فيبدو كأنه يتحرك بالاتجاه المعاكس.

    4- النجوم ليست ثابتة:
    لقد سيطرت رؤية أرسطو للنجوم على أنها ثابتة في السماء على مخيلة العلماء والفلاسفة على مدى العصور، فأجمع الجميع على ذلك نظرا لأنهم يرونها ساكنة في أماكنها بخلاف الكواكب السيارة والشمس والقمر. وتجدر الإشارة إلى أن آيشتاين نفسه كان يتملكه ذلك الاعتقاد الخاطئ عندما صاغ نظريته النسبية حيث أضاف حدا خاصا في المعادلات أسماه الثابت الكوني لكي يحافظ فيه على فرضية ثبات النجوم[20]، ثم تبين بعد ذلك خطأ هذه الفرضية فاضطر إلى حذف الثابت الكوني من المعادلات. وعلى الرغم من أن نظرية نيوتن في الجاذبية كانت كافية لدحض فرضية النجوم الثابتة، إلا أن هذه الفرضية استمرت حتى بداية القرن العشرين حيث قام العلماء بقياس الأطياف الصادرة عن النجوم وتبين لهم أنها تسير في الفضاء الرحب بسرعات كبيرة جدا.
    ولكن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي يقرر بوضوح تام وفي مواضع كثيرة في كتبه أن النجوم ليست ثابتة على الإطلاق، بل ويعلل بشكل جميل سبب عدم شعورنا بسرعتها الكبيرة في أن هذه النجوم بعيدة جدا عنا ولذلك لا ندرك حركتها الظاهرية في فترة عمرنا القصير، وهذا هو الثابت الآن علميا.
    فيقول الشيخ الأكبر مثلا في الباب التسعون وثلاثمائة من الفتوحات المكية: "فنأخذ يوم كل كوكب بقدر قطعه الفلك الأقصى وهو الأطلس الذي لا كوكب فيه فأكبرها قطعاً فيه فلك الكواكب (النجوم) الثابتة وإنما سميت ثابتة لأن الأعمار لا تدرك حركتها لقصر الأعمار لأن كل كوكب منها يقطع الدرجة من الفلك الأقصى في مائة سنة إلى أن تنتهي إليها فما اجتمع من السنين فهو يوم ذلك الكوكب فيحسب ثلثمائة وستين درجة كل درجة مائة سنة، وقد ذكر لنا في التاريخ المتقدم أن تاريخ أهرام مصر بنيت والنسر في الأسد وهو اليوم عندنا في الجدي فاعمل حساب ذلك تقرب من علم تاريخ الأهرام"[21]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النسر هو مجموعة من النجوم (كوكبة) والتي تنتمي إلى مجرتنا، في حين أن الأسد والجدي هي من الأبراج وهي مجموعة من المجرات الأخرى التي تقع على مسافات ساحقة بحيث لا يمكن ملاحظة حركتها الظاهرية ولا في مئات الآلاف من السنين، ولذلك فيمكن اعتبارها ثابتة نسبيا. من أجل ذلك تحرك النسر منذ زمن عمارة أحد الأهرامات من برج الأسد إلى برج الجدي، ولو قمنا بالحساب كما يقول الشيخ لوجدنا أن ذلك يحتاج لفترة من 7 إلى 9 آلاف سنة، وهذه هي الفترة التي عمرت فيها الأهرامات. أضف إلى ذلك فإن سرعة حركة النجوم الظاهرية في السماء (proper motion) بحسب أحدث القياسات[22] الآن هي في المتوسط درجة واحدة كل مئة سنة، تماما كما يقول الشيخ الأكبر.

    5- لماذا كل شيء يتحرك:
    يوضح الشيخ الأكبر السبب الرئيسي في حركة الأجرام السماوية في أنه يعود لعدم التجانس في الجسم الأصلي الذي ظهر فيه العالم، حيث يقول: "إعلم أن الله تعالى لما جعل في النفس القوة العملية أظهر الله بها صورة الجسم الكل في جوهر الهباء فعمر به الخلاء، والخلاء امتداد متوهم في غير جسم، ولما رأينا هذا الجسم الكل لم يقبل من الأشكال إلا الإستدارة علمنا أن الخلاء مستدير، إذ كان هذا الجسم لما أوجده مستديرا عمّر الخلاء، فالخارج عن الجسم لا يتصف بخلاء ولا ملاء، ثم إن الله فتح في هذا الجسم صور العالم، وجعل هذا الجسم لما أوجده مستديرا لما عمر به جميع الخلاء كانت حركته في خلائه، فما هي حركة انتقال عنه وإنما حركته فيه بكله، كحركة الرحى؛ تنظر في حركتها بجميعها فتجدها لم تنتقل عن موضعها وتنظر إلى حركة كل جزء منها فتجده منتقلاً عن حيزه إلى حيز آخر بحركة الكل، وهكذا كل حركة مستديرة فهي متحركة ساكنة لأنها ما أخلت حيزها بالانتقال من حيث جملتها ولا سكنت فتتصف بالسكون، وهذا لا يكون إلا في المستدير وأما غير المستدير فلا يسمى لشكله فلكاً أي مستديرا، وهذا هو أول الصور الطبيعية؛ فأظهرت الطبيعة فيه حكمها فقبل الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة بحكم التجاوز في النقيضين خاصة فتحرك بغلبة الحرارة فإن الأعتدال لا يظهر عنه شيء أصلاً، ولهذا وصف الحق نفسه بالرضا والغضب والرحمة والانتقام والحلم والقهر فالاعتدال لا يصح معه وجود ولا تكوين، ألا ترى أنه لولا التوجه الإلهي على إيجاد كون ما ما وجد، ولولا ما قال له كن ما تكون، فلما كانت كمية الحرارة أكثر من غيرها في الجسم أعطته الحركة، وما ثم خلاء إلا ما عمره هذا الجسم ولا بد له من الحركة، فتحرك في مكانه، وهي حركة الوسط لأنه ليس خارجه خلاء فيتحرك إليه، والحركة تطلبها الحرارة"[23].
    وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدراسات السابقة للأشعة المتبقية (background radiation) كانت تشير جميعها إلى أنها متجانسة تماما، مما كان يشكل معضلة في علم الفلك إذ لا يمكن أن ينتج الكون عن التجانس. ولكن القياسات الدقيقة في السنوات الأخيرة[24] فقط أثبتت بالفعل وجود عدم تجانس طفيف جدا في هذه الأشعة، فلا يختلف العلماء اليوم على ضرورة عدم التجانس، كما لا يختلفون أيضا على أن سبب الحركة في العالم هو الحرارة كما يقرر ذلك الشيخ الأكبر بكل وضوح.

    6- الكون ليس له مركز:
    لقد بين الشيخ الأكبر كما رأينا أعلاه أن كل شيء في العالم هو في حركة دائمة، ولكن وعلى الرغم من ذلك، فليس هناك مركز للعالم. ولكن هذا لم يعلم إلا في بداية القرن السابق بعد تطور النظرية النسبية العامة وظهور فكرة تحدب المكان وتطوير الهندسة اللاإقليدية.
    ويقول الشيخ الأكبر بكل وضوح: "فحركة العالم دائمة لا نهاية لها، ولو كان ثم أمر ينتهي إليه يسمى المركز يكون إليه النهاية لسكن العالم بعضه على بعض بالضرورة وبطلت الحركة فبطل الإمداد فأدى ذلك إلى فناء العالم وذهاب عينه، والأمر على خلاف هذا، وإنما الناس وأكثر الخلق لا يشعرون بحركة العالم ولأنه بكله متحرك، فيبقى الترتيب المشهود من البعد والقرب على حاله، فلهذا الشهود يتخيلون سكون الأرض حول المركز"[25].

    7- ولادة النجوم:
    لا يتكلم الشيخ الأكبر بوضوح عن تطور النجوم ولكن بين بكل وضوح أن هذه النجوم تشكلت في فترة لاحقة من العالم وليست موجودة معه من البداية، حيث يقول: "فترتيب الأمر عندنا بعد الفلك المكوكب ولم يكن مكوكباً عند خلقه وإنما ظهرت الكواكب بعد هذا فيه وفي غيره من السموات"[26]، وذلك لم يعرف أيضا إلا في بداية القرن الماضي.

    8- أصل الكواكب في النظام الشمسي:
    يعتمد الشيخ الأكبر في وصفه لأصل تكوين الكواكب في المجموعة الشمسية على القرآن الكريم حيث يقول الله سبحانه وتعالى في سورة فصلت: "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {11}‏"، وفي سورة الأنبياء: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ {30}"، ولكن الشيخ الأكبر يفصّل الأمر حيث يقول: "وظهرت الإحتراقات من عنصر النار في رطوبات الهواء والماء صعد منها دخان يطلب الأعظم الذي هو الفلك الأعلى الأقصى فوجد فلك الكواكب يمنعه من الرقي إلى الفلك الأعلى فعاد ذلك الدخان يتموج بعضه في بعض فتراكم فرتق ففتق الله رتقه بسبع سموات، ثم أنه تطايرت الشرر من كرة الأثير في ذلك الدخان فقبلت من السموات ومن الفلك المكوكب أماكن فيها رطوبات طبيعية، فتعلقت بها تلك الشرر فإتقدت تلك الأماكن لما فيها من الرطوبات فحدثت الكواكب فأضاء الجو كما يضئ البيت بالسراج"[27].
    ورغم صعوبة مقارنة هذا الكلام بالنظريات العلمية الحديثة نظرا لوجود أفكار كثيرة في هذا المضمار، إلاّ أنه مما لا شك فيه أن الكواكب قد تشكلت نتيجة تكاثف الأبخرة والمواد التي نتجت عن انفجار نجم هائل (supernova)[28].

    9- المجرات والأبعاد بين النجوم:
    بحسب الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة"[29]، فإن الشيخ الأكبر يدرك الأبعاد السحيقة بين النجوم والمجرات والتي لم تعرف مطلقا إلا في بداية القرن الماضي. فيقول الشيخ مثلا في الباب الأحد والسبعين وثلاثمائة والذي يفصل فيه خلق العالم: "اعلم أن الله خلق هذا الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس وما بينهما خلق الجنات بما فيها فهذا الفلك أرضها والأطلس سماؤها، وبينهما فضاء لا يعلم منتهاه إلا من أعلمه الله فهو فيه كحلقة في فلاة فيحاء، وعيّن في مقعر هذا الفلك ثماني وعشرين منزلة مع ما أضاف إلى هذا الكواكب التي سميت منازل لقطع السيارة فيها، ولا فرق بينها وبين سائر الكواكب الأخر التي ليست بمنازل في سيره"[30]. ولو تتبعنا كلام الشيخ بدقة في هذا الفصل لوجدنا أنه يميز بشكل واضح بين النجوم والمجرات من حيث البعد عن الأرض؛ فالمنازل هي في الحقيقة من النجوم القريبة الواضحة في السماء، أي هي من مجرة درب التبانة، وهي تبعد عنا بضعة آلاف من السنين الضوئية، في حين أن البروج من المجرات التي تبعد عنا مئات الملايين من السنين الضوئية. والشيخ الأكبر يعتبر أن الجنان هي ما بين البروج والفلك المكوكب وهذه المسافات السحيقة بين الأرض والمجرات، أما سطح الفلك المكوكب فيبعد عن الأرض، كما يقول الشيخ الأكبر[31]، خمس وسبعون مئة من السنين، وهي نفسها المسافة التي يقررها العلماء حسب القياسات الحديثة إذ يبلغ عرض مجرتنا حوالي 15 ألف سنة ضوئية، وهي ضعف المسافة بين سطح الفلك المكوكب والأرض، حيث أن الأرض مع الشمس تقع في وسط أحد أذرع المجرة التي يبلغ عرضها 15 ألف سنة ضوئية. فبالإضافة لدقة الأرقام هنا مع ما يقول به الشيخ الأكبر، فيمكن أن نقول أن الشيخ الأكبر هو أول من استخدم السنة كواحدة لقياس المسافة بشكل صريح وبمعنى السنة الضوئية. وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن كل هذه المعلومات لم تعرف إلا في العشرينات من القرن العشرين.

    الخلاصة:
    إن رؤية الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي للعالم مبنية على تجربة روحية صوفية، مبدؤها تخلية القلب من تعلقه بالدنيا، وتحليته بالأخلاق الحسنة، حتى يتجلى له الله بالعلوم الذوقية والمعارف الإلهية التي لا تقبل الشك. وهذه التجربة تختلف بشكل كلي عن الفكر والمنطق والعلم التجريبي والنظري. وعلى الرغم من أن الشيخ الأكبر لم يقصد علم الفلك بذاته في أي من مؤلفاته الكثيرة، إلا أن رؤيته للعالم تتضح من خلال الإشارات الكثيرة في كتبه المختلفة.
    إن العالم بالنسبة للشيخ الأكبر يضم ثلاثة عوالم أساسية وهي: عالم الملك وهو عالم الشهادة أو العالم المادي المشهود، وعالم الملكوت، وهو عالم الأرواح، وعالم الجبروت وهو مجموعة الأسماء والصفات الإلهية التي تفعل في العالم وتتحكم به. وأما في ما يخص العالم المادي، فينظر الشيخ الأكبر للعالم من وجهتين مختلفتين؛ الأولى ظاهرية وتعتبر أن الأرض هي مركز العالم حيث يبدو أن كل شيء في العالم يدور حولها، والثانية أن الشمس هي مركز العالم من حيث أن الشمس هي في الحقيقة في قلب السموات وهي التي تمد الكواكب بالضوء والحياة. ولكن الشيخ بيّن أيضا أن العالم من حيث الإجمال على الحقيقة ليس له مركز محدد تتحرك أجزاؤه نحوه، والا لسقط الكل على المركز وفني العالم.
    لقد وصف الشيخ الأكبر في كثير من المواضع بعض جوانب العالم وتفاصيله بشكل دقيق وعلمي صحيح لم يتم الكشف عليه إلا في القرن الماضي، أي بعد الشيخ الأكبر بأكثر من سبعة قرون. من ذلك تأكيده على مركزية الشمس، وحركة النجوم وبعدها السحيق عن الأرض، وكذلك الحركة الرجعية للكواكب، وسبب حركة الأجرام في العالم، وغير ذلك. كما أن هناك الكثير من الإشارات فيما يخص علم الفلك والفيزياء والتي لم نتطرأ إليها هنا بغية الاختصار.
    على أنه يجب أن ننوّه إلى أن الكثير من عبارات الشيخ فيما يخص الكون لا يمكن فهمها على أساس العلم الحديث، ولا يمكن قبولها على حالها أبدا، وقد يبدو ذلك غريبا أو يطعن في مصداقية علمه ومعرفته. ومع أن ذلك ممكن من حيث المبدأ، فكلامه ليس كلام منزل لا يقبل الخطأ. ولكننا نود أن نشير أيضا أنه مهما بدا التناقض كبيرا في بعض الأحيان بين العلم الحديث وآراء الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، إلا أن هذا التناقض كثيرا ما يزول إذا أدركنا الرؤية المتكاملة للشيخ والتي وزعها وشتتها في أنحاء كتبه الغزيرة، وذلك نظرا لصعوبة فهمها وإدراكها وقبولها. بل ويمكن أن نؤكد في كثير من الأحيان رجحان كفة التناقض لطرف الشيخ الأكبر، حيث أن الكثير من النظريات الحديثة رغم قبولها وقدرتها على الإقناع إلا أنها في النتيجة تؤدي إلى تناقضات داخلية ومعضلات لا يمكن حلها.
    ولا شك أن آراء الشيخ الأكبر على غاية من الدقة والموضوعية، وهي من الأهمية بحيث يمكن اعتمادها لتشكيل نظريات حديثة في مجال الفلك والفيزياء وغير ذلك. ولقد بدأ العلماء في أوربا وأمريكا باكتشاف ذلك والاعتراف بفضل الشيخ الأكبر وأهميته وتأثيره على الفكر والفلسفة العالمية، كما اعترف بذلك من قبل الفيلسوف الكبير كانت. ويوجد الآن الكثير من العلماء الذين اعتكفوا على دراسة كتب الشيخ وترجمتها، كما توجد جمعية خاصة في أكسفورد في بريطانية، إسمها جمعية ابن العربي، تقوم بعقد المؤتمرات عدة مرات في السنة وطبع مجلات أبحاث متخصصة بالشيخ الأكبر، بالإضافة إلى ترجمة وجمع وتصنيف كتبه، وهي مئات، والكتب التي ألفت حوله باللغات المختلفة.
    وكذلك نريد أن نطالب في نهاية هذا المقال بإعادة نسب الآراء والأفكار المهمة إلى أصحابها، وتوثيق ذلك في كتب التاريخ والمراجع المختصة. فكما وجدنا فإن الشيخ الأكبر كان له السبق في طرح الكثير من الأفكار العلمية التي لم تدرك إلا بعده بقرون عديدة، ثم نسبت لغيره. وأوضح مثال على ذلك حركة النجوم.

    د. محمد علي حاج يوسف
    جامعة الإمارات العربية المتحدة
    العين، في: 1/12/2008



    ________________________________________


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 13, 2017 7:23 am